الآلوسي

152

تفسير الآلوسي

* ( فَلاَ أُقْسمُ ) * مزيدة للتأكيد مثلها في قوله تعالى : * ( لئلا يعلم أهل الكتاب ) * ( الحديد : 29 ) أو هي لام القسم أشبعت فتحتها فتولدت منها ألف نظير ما في قوله : أعوذ بالله من العقراب واختاره أبو حيان ثم قال : وهو وإن كان قليلاً فقد جاء نظيره في قوله تعالى : * ( فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم ) * ( إبراهيم : 37 ) بياء بعد الهمزة وذلك في قراءة هشام . ويؤيد قراءة الحسن . وعيسى . فلا قسم - وهو مبني على ما ذهب إليه تبعاً لبعض النحويين من أن فعل الحال يجوز القسم عليه فيقال : والله تعالى ليخرج زيد وعليه قول الشاعر : ليعلم ربي أن بيتي واسع وحينئذ لا يصح أن يقرن الفعل بالنون المؤكدة لأنها تخلصه للاستقبال خلاف المراد ، والذي اختاره ابن عصفور . والبصريون أن فعل الحال كما هنا لا يجوز أن يقسم عليه ومتى أريد من الفعل الاستقبال لزمت فيه النون المؤكدة فقيل : لأقسمن وحذفها ضعيف جداً ، ومن هنا خرجوا قراءة الحسن . وعيسى على أن اللام لام الابتداء والمبتدا محذوف لأنها لا تدخل على الفعل والتقدير فلأنا أقسم ، وقيل : نحوه في قراءة الجمهور على أن الألف قد تولدت من الاشباع ، وتعقب بأن المبتدا إذا دخل عليه لام الابتداء يمتنع أو يقبح حذفه لأن دخولها لتأكيده وهو يقتضي الاعتناء به وحذفه يدل على خلافه ، وقال سعيد بن جبير . وبعض النحاة : - لا - نفي وردّ لما يقوله الكفار في القرآن من أنه سحر وشعر وكهانة كأنه قيل : فلا صحة لما يقولون فيه ثم استؤنف فقيل : * ( أقسم ) * الخ ، وتعقبه أبو حيان بأنه لا يجوز لما فيه من حذف اسم - لا - وخبرها في غير جواب سؤال نحو - لا - في جواب هل من رجل في الدار ، وقيل : الأولى فيما إذا قصد بلا نفي لمحذوف واستئناف لما بعدها في اللفظ الاتيان بالواو نحو - لا - وأطال الله تعالى بقاءك ، وقال : بعضهم إن - لا - كثيراً ما يؤتى بها قبل القسم على نحو الاستفتاح كما في قوله : ( لا وأبيك ) ابنة العامري * لا يدّعي القوم إني أفرّ وقال أبو مسلم وجمع : إن الكلام على ظاهره المتبادر منه ، والمعنى لا أقسم إذ الأمر أوضح من أن يحتاج إلى قسم أي لا يحتاج إلى قسم مّا فضلاً عن أن هذا القسم العظيم ، فقول مفتي الديار الرومية أنه يأباه تعيين المقسم به وتفخيمه ناشيء عن الغفلة على ما لا يخفى على فطن * ( بمَوَاقع النُّجُوم ) * أي بمساقط كواكب السماء ومغاربها كما جاء في رواية عن قتادة . والحسن على أن الوقوع بمعنى السقوط والغروب وتخصيصها بالقسم لما في غروبها من زوال أثرها ، والدلالة على وجود مؤثر دائم لا يتغير ، ولذا استدل الخليل عليه السلام بالأفول على وجود الصانع جل وعلا ، أو لأن ذلك وقت قيام المتهدين والمبتهلين إليه تعالى وأوان نزول الرحمة والرضوان عليهم . وقد أخرج البخاري . ومسلم عن أبي هريرة مرفوعاً " ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول من يدعوني فأستجيب له من يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له " وعن الحسن أيضاً المراد مواقعها عند الانكدار يوم القيامة قيل : وموقع عليه مصدر ميمي أو اسم زمان ولعل وقوعها ذلك اليوم ليس دفعة واحدة والتخصيص لما في ذلك من ظهور عظمته عز وجل وتحقق ما ينكره الكفار من البعث ، وعن أبي جعفر . وأبي عبد الله على آبائهما وعليهما السلام المراد مواقعها عند الانقضاض إثر المسترقين السمع من الشياطين ، وقد مرّ لك تحقيق أمر هذا الانقضاض فلا تغفل ، وقيل : مواقع النجوم هي الأنواء التي يزعم الجاهلية